
**الراجل اللي اتبرعلي بكُلية اتقدملي بعد شهر، وقال إنه بيموت ومش عايز يموت لوحده — لكن أول ما قولنا «قبلت»، مسك إيدي وهمسلي: «دلوقتي أقدر أخيرًا أقولك الحقيقة.»** من سنة تقريبًا، الكُلى بتاعتي بدأت تفشل، وفجأة حياتي كلها اتحولت لسلسلة مالهاش نهاية من زيارات المستشفيات، والعلاجات، والانتظار لحد ما ألاقي متبرع مناسب، واللي مكنش مضمون أصلًا إنه يحصل. أهلي كلهم عملوا التحاليل عشان يشوفوا لو حد فيهم ينفع يتبرعلي، لكن للأسف محدش كان متوافق معايا.
وبعد فترة، الدكاترة قالولي إن فيه شخص متطوع عشان يتبرعلي بكُلية. اسمه **أحمد**. أنا عمري ما شوفته قبل كده، ومكنتش فاهمة إزاي واحد غريب عني تمامًا ممكن يوافق يعمل عملية كبيرة زي دي عشاني. أحمد اكتفى إنه يقوللي إنه عرف حالتي عن طريق واحد صاحبنا المشترك، وإنه مقدرش يتجاهل فكرة إنه ممكن ينقذ حياتي بإيده. عملية زرع الكُلى نجحت. وأثناء فترة تعافيي في المستشفى وبعدها في البيت، أحمد كان بييجي يطمن عليا باستمرار. في الأول، كل اللي كنت حاساه ناحيته كان امتنان.
لكن مع الوقت، الامتنان اتحول لصداقة. وبين الكلام الطويل اللي كنا بنتكلمه، والمشاوير الهادية اللي كنا بنتمشاها حوالين البيت، بدأت أكتشف إني بتعلق بيه أكتر وأكتر. لحد ما لقيت نفسي وقعت في حبه. الراجل اللي أنقذ حياتي واداني فرصة تانية أعيشها. لكن بعد شهر واحد بس، كل حاجة اتغيرت تاني. أحمد جه عند شقتي، وكان شكله مختلف بشكل واضح. كان ساكت ومتوتر، ولما قعد قدامي، بصلي لفترة قبل ما يقول: «الدكاترة اكتشفوا إني تعبان بمرض خطير، ومفيش أمل كبير إني أعيش فترة طويلة.»
اتجمدت مكاني. مكنتش عارفة أقول إيه. كمل كلامه بصوت هادي: «أنا مش عارف فاضلي قد إيه… بس عارف حاجة واحدة.» سكت شوية، وبعدين بص في عيني وقال: «مش عايز أقضي اللي باقي من عمري لوحدي.» وبعدين… **اتقدملي.** جزء مني كان شايف إننا بنجري بسرعة جدًا. إحنا لسه عارفين بعض من فترة قصيرة، وكل حاجة حصلت بشكل متسارع جدًا. لكن بعد كل اللي عدى بينا، وبعد ما كان هو السبب في إني لسه عايشة، فكرة إني أسيبه يواجه الشهور الأخيرة من حياته لوحده كانت بتكسر قلبي.
كنت بحبه. وكنت متعلقة بيه أكتر مما كنت مستعدة أعترف لنفسي. فعشان كده… وافقت. قررنا نعمل فرح صغير جدًا، حضره عدد قليل من أهلنا وأقرب الناس لينا. مفيش قاعة كبيرة. مفيش زحمة. ولا أي مظاهر مبالغ فيها. كان يوم بسيط وهادي، زي ما كنا عايزين. وأخيرًا، وقفنا قدام المأذون. وبعد ما خلص إجراءات الجواز، وبقينا رسميًا **جوز ومراته**، بصيت لأحمد وأنا مستنية أشوف على وشه الراحة والسعادة. لكن اللي شوفته كان حاجة تانية تمامًا. ملامحه اتغيرت فجأة.
الابتسامة اختفت من على وشه. وبدل ما يضمني أو يفرح، مد إيده ومسك إيدي جامد. بص حوالينا يتأكد إن محدش قريب بما يكفي يسمعنا. وبعدين قرب مني. حسيت بنَفَسه جنب ودني. وهمس بصوت واطي جدًا: **«دلوقتي… أقدر أخيرًا أقولك الحقيقة.»** أكيد، هكمل من نفس اللحظة وبنفس اللهجة المصرية، مع الحفاظ على التشويق والأسماء والأماكن المصرية. فضلت باصة لأحمد كام ثانية، مش قادرة أفهم هو يقصد إيه. قلتله بصوت واطي: «حقيقة إيه؟» إيده كانت لسه ماسكة إيدي، لكن المرة دي مسكته كانت مختلفة.
مش مسكة عريس لمراته. كانت مسكة واحد خايف. أحمد بصلي، وبعدين بص ناحية الباب اللي وراه، كأنه بيتأكد إن مفيش حد بيسمعنا. قال: «قبل ما أقولك، لازم توعديني إنك هتسمعيني للآخر.» قلبي بدأ يدق بسرعة. قلت: «إنت خوفتني.» ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مليانة حزن. «أنا عارف.» سكت شوية، وبعدين قال: «أنا مكنتش مريض.» حسيت كأن الكلام دخل ودني ومطلعش منها. حدقت فيه وأنا مش مستوعبة. «يعني إيه مكنتش مريض؟» قال: «يعني مفيش مرض مميت، ومفيش دكاترة قالولي إني هموت، ومفيش شهور أخيرة من حياتي.»
سحبت إيدي من إيده. وقفت قدامه وأنا حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجلي. «إنت كدبت عليا؟» هز راسه ببطء. «أيوه.» ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة. «إنت اتجوزتني عشان إيه؟» أحمد قرب خطوة. رجعت أنا لورا. قلتله: «متقربش.» وقف مكانه فورًا. وقال: «أنا عارف إنك هتكرهي نفسك لما تسمعي الحقيقة.» صرخت فيه: «أنا اللي هكره نفسي؟! إنت اللي كدبت عليا!» ناس من أهلنا بدأوا يبصوا علينا من بعيد. أحمد أشارلي بهدوء: «لو سمحتي… متخليش حد يعرف دلوقتي.»
بصيتله باستغراب. «ليه؟» قال: «عشان اللي جاي أكبر مننا كلنا.» حسيت ببرودة في جسمي. «أكبر مننا إزاي؟» أحمد طلع من جيبه ظرف أبيض. كان ظرف قديم ومتقفل. مدهولي. «افتحيه.» بصيت للظرف، وبعدين بصيتله. «إيه ده؟» قال: «الحقيقة اللي كنت بخبيها عنك.» فتحت الظرف بإيد بتترعش. جواه كانت فيه صور. أول صورة كانت ليا. أنا في المستشفى قبل عملية زرع الكُلى. الصورة كانت متاخدة من بعيد. قلبت الصورة التانية. كانت صورة ليا وأنا خارجة من باب المستشفى بعد العملية.
الصورة التالتة كانت ليا وأنا قاعدة في كافيه في مصر الجديدة. الصورة الرابعة كانت ليا وأنا ماشية مع أمي في الشارع. اتجمدت. رفعت عيني لأحمد. «إنت كنت بتراقبني؟» قال: «أيوه.» «من إمتى؟» سكت. «أحمد! من إمتى؟!» قال: «قبل ما تتعرفي عليا بسبع شهور.» حسيت إن نفسي اتقطع. «سبع شهور؟!» هز راسه. «كنت عارف كل حاجة عنك قبل ما تشوفيني لأول مرة.» رميت الصور على الترابيزة. «إنت مين؟» المرة دي، أحمد ماجاوبش بسرعة. قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
وبعد ثواني قال: «أنا مش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنك اتجوزتيه.» قلت: «طب إنت مين؟» رفع عينه ليا. «أنا ابن الراجل اللي مات بسببك.» اتسعت عيني. «إيه؟» قال: «أبويا مات من سبع شهور.» كنت بحاول أفتكر أي حاجة. أي حادثة. أي شخص. لكن مفيش حاجة جات في بالي. قلت: «أنا معرفش أبوك.» قال: «عارف.» وبعدين طلع ورقة تانية من الظرف. «بس هو كان يعرفك.» أخدت الورقة. كانت صورة لتقرير قديم. وفي أسفل الورقة اسم واضح.
**محمود عبدالسلام.** والد أحمد. بصيت لأحمد. «مين محمود عبدالسلام؟» قال: «الراجل اللي كان مسؤول عن الشركة اللي كنتي بتشتغلي فيها قبل ما تمرضي.» سكت. وبدأت أفتكر. كان فيه مدير كبير فعلًا اسمه محمود. راجل محترم، لكنه كان شديد جدًا في شغله. أنا كنت شغالة في شركة في مدينة نصر، وكنت فاكرة إني عمري ما قابلته غير كام مرة. قلت: «بس أنا مالي ومال موته؟» أحمد فتح موبايله ووراني تسجيل صوتي. ضغط تشغيل. وصوت راجل كبير خرج من السماعة.
صوت مبحوح وضعيف. قال: «يا أحمد… لو حصل لي حاجة، متنتقمش منها.» اتجمدت. أحمد وقف التسجيل. بصيتله. «هو قال إيه؟» قال: «اسمعي للآخر.» شغل التسجيل تاني. الصوت كمل: «هي مش السبب الحقيقي. أنا اللي غلطت.» وبعدين حصل صمت طويل. ثم قال: «لكن لازم تعرف الحقيقة كاملة.» التسجيل انتهى. بصيت لأحمد. «هو كان عايزك تعرف إيه؟» أحمد قرب الموبايل من صدره. «كان عايزني أعرف إن في حاجة حصلت في الشركة قبل ما يموت.» قلت: «إيه؟» قال:
«فلوس اختفت.» «فلوس؟» «مبلغ كبير جدًا.» وبعدين أضاف: «والفلوس دي اختفت من حساب كان باسمك.» وقفت مكاني. «مستحيل.» «أنا عارف.» «أنا عمري ما سرقت فلوس.» «وعارف ده كمان.» «طب ليه بتتهمني؟» قال: «أنا مش بتهمك.» وبعدين بص في عيني مباشرة. «أنا بحاول أنقذك.» ضحكت بسخرية. «تنقذني؟ إنت اتبرعتلي بكُلية، وبعدها كذبت عليا واتجوزتني عشان تنقذني؟» قال: «أنا اتبرعتلك بالكُلية عشان سبب مختلف.» سكت. قلت: «إيه السبب؟» قال: «لأن أبويا هو اللي طلب مني.» شهقت. «أبوك؟»
هز راسه. «قبل ما يموت بأسبوع، عرف إن كُليتك بتفشل. وكان عنده سر.» «إيه السر؟» أحمد بصلي وقال: «إنتِ مش مريضة بالصدفة.» سكتُّ. حسيت إن وداني بدأت تطن. «يعني إيه؟» قال: «المرض اللي عندك كان نتيجة تسمم.» بصيتله بعدم تصديق. «تسمم؟» «أيوه.» «مين سممني؟» أحمد مد إيده للظرف مرة تانية، وطلع منه صورة أخيرة. حطها قدامي. كانت صورة كاميرا مراقبة. شخص واقف قدام باب شقتي. والشخص كان لابس جاكت أسود وقبعة، لكن وشه كان واضح.
أول ما شفت الصورة… اتجمدت. لأني كنت أعرف الشخص ده. وأحمد لاحظ التغيير في وشي. قال: «إنتِ عرفتيه، صح؟» مقدرتش أرد. لأن الشخص اللي في الصورة… كان واحد من أقرب الناس ليا. وكان موجود معانا في الفرح قبل دقائق. رفعت عيني لأحمد وقلت بصوت مخنوق: «إنت كنت عارف إنه هنا؟» قال: «أيوه.» «وإنت سيبته يحضر فرحنا؟» «كان لازم يحضر.» «ليه؟» أحمد قرب مني وقال: «عشان الليلة دي مش كانت مجرد ليلة جوازنا.» سكت. ثم همس:
«دي كانت الليلة اللي هنخليه يعترف بكل حاجة.» وفجأة… سمعنا صوت خبط شديد على باب الشقة. أحمد بص ناحية الباب. وأنا بصيتله. الخبط اتكرر. ثلاث خبطات. وبعدين صوت مألوف جدًا قال من بره: «أحمد… افتح الباب.» أحمد وشه اتغير. ولأول مرة من ساعة ما عرفته… شفت الخوف الحقيقي في عينيه. همست: «مين؟» بصلي وقال: «أبويا.» شهقت. «بس إنت قلت إنه مات!» قال: «وده جزء من الحقيقة اللي لسه مقلتهولكيش.» وبعدها الخبط على الباب اتحول لضرب عنيف.
والصوت من الخارج صرخ: «لو عايزة تعرفي مين حاول يقت-لك… افتحي الباب بنفسك.» طبعًا، هكملها للنهاية بنفس اللهجة المصرية، ونقفل كل الأسرار في النهاية. أول ما سمعت الجملة دي، حسيت إن رجلي مش شايلاني. بصيت لأحمد وقلت: «إنت قلتلي إن أبوك مات.» رد وهو لسه مركز مع الباب: «كنت مضطر أقولك كده.» «مضطر ليه؟!» قبل ما يرد، الخبط على الباب وقف فجأة. الهدوء اللي حصل كان أرعب من الخبط نفسه. أحمد قرب من الباب، لكنه ما فتحش.
قال: «مين؟» جاء الصوت من الخارج: «أنا.» صوت راجل كبير. نفس الصوت اللي سمعته في التسجيل. أحمد رجع خطوة لورا. وبصلي. «أبويا.» قلت: «افتح.» هز راسه. «مش دلوقتي.» لكن فجأة، الباب اتفتح من غير ما حد يلمسه. دخل راجل كبير، شعره أبيض، ووشه شاحب، لكنه واقف على رجليه. أول ما شفته، عرفت إنه نفس الراجل اللي كان موجود في صور الشركة. **محمود عبدالسلام.** والد أحمد. بصلي وقال: «أنا آسف.» مكنتش قادرة أتكلم. بصيت لأحمد. «إنتوا الاتنين كدبتوا عليا.»
محمود قال: «عارف.» «إنتوا عملتوا فيا كل ده ليه؟» محمود قعد على الكرسي، وكأنه فجأة بقى أكبر من سنه بعشرين سنة. قال: «عشان كنت عايز أحميكي.» ضحكت بمرارة. «تحميني؟! ابنك اتبرعلي بكُلية، وراقبني شهور، وكذب عليا وقال إنه بيموت، واتجوزني… وده اسمه حماية؟» محمود بص لأحمد. «قولها.» أحمد قرب مني. «أبويا اكتشف إن في حد بيسرق من الشركة.» قلت: «والفلوس كانت في حسابي؟» محمود هز راسه. «أيوه.» «إزاي؟» قال: «حد استخدم بياناتك من غير علمك.»
بدأت أفهم الصورة. «مين؟» محمود سكت. أحمد هو اللي رد: «أخوك.» حسيت إن الدنيا وقفت. «أخويا؟» «أيوه.» قلت بعصبية: «مستحيل! أخويا عمره ما يعمل كده.» محمود قال: «كان عليه ديون كبيرة. وبدأ يسحب فلوس من الشركة عن طريق حسابات مرتبطة باسمك.» «وأبويا عرف؟» «أبوك مات من زمان.» سكت محمود. ثم قال: «أنا أقصد إني أنا اللي اكتشفت.» بصيتله. «طب إنت ليه ما بلغتش الشرطة؟» قال: «بلغت.» أحمد أضاف: «لكن قبل ما التحقيق يكمل، حصلت حاجة تانية.»
«إيه؟» محمود قال: «حاولوا يقتلوني.» اتسعت عيني. «مين؟» «نفس الشخص اللي كان بيسرق.» بدأت أفتكر الفترة اللي قبل مرضي. الدوخة. الإرهاق. التحاليل الغريبة. الدكاترة اللي مكنوش فاهمين سبب تدهور حالتي. قلت: «التسمم…» محمود هز راسه. «كان جزء من محاولة التخلص منك.»

