
**اتجوزت خطيبتي رغم إن الدكاترة قالولها إن فاضلها شهر واحد بس في الدنيا — وبعد جنازتها، المحامي بتاعها قالي: «هي سابتلك حاجة، وخلتني أوعدها إني ما اديهالكش غير بعد ما تمشي.»** لما الدكاترة قالوا لـ **مريم** إن فاضلها تقريبًا شهر واحد بس في الدنيا، بصتلي وقالت: “حبيبي، إنت مش مضطر تتجوزني خلاص.” كنا مخطوبين بقالنا تقريبًا سنة. كنا حددنا القاعة، وطلبنا دعوات الفرح، ومريم حتى كانت اختارت فستان الفرح اللي كانت بتحلم تلبسه من وهي صغيرة.
لكن بقالها شهور كانت دايمًا حاسة بتعب شديد. في الأول افتكرنا إن الموضوع بسبب ضغط الشغل والتوتر. لكن لما التعب زاد، قررنا نروح للدكتور. وهناك، الدكتور بتاع الأورام أخد نفس طويل وبصلنا بنظرة خلت قلبي يقع في رجلي. وقال بهدوء: “للأسف، المرض انتشر بشكل كبير جدًا. ولو استمر بنفس السرعة دي… غالبًا قدامها من أربع لـ ست أسابيع.” حسيت إن الدنيا وقفت. مريم كانت كل حياتي. حضنتها جامد وقلت لها: “حبيبتي، أنا وعدتك إني هتجوزك… ووعدي ده مش هيتغير. وإحنا هنتجوز، مهما حصل.”
حاربنا عشان حياتها بكل حاجة نقدر عليها. روحنا لأكتر من دكتور، وجربنا كل علاج ممكن، واتعلقنا بأي أمل حتى لو كان صغير. لكن مفيش حاجة نفعت. ومريم فضلت كل يوم تقريبًا ترجاني إني أسيبها وألغي الفرح. كانت بتقولي: “مش عايزاك تفضل معايا عشان تشفق عليا.” لكن أنا رفضت. اتصلت بأهلنا، وجبت القسيس، وجهزت كل حاجة بنفسي في جنينة بيتنا في **المعادي**. مريم كانت حالتها الصحية ساءت جدًا، ومبقتش قادرة تمشي. فأنا ساعدتها تلبس فستان الفرح اللي كانت بتحلم بيه.
وبعدين قعدتها على الكرسي المتحرك، وفضلت أدفعها بنفسي لحد ما وصلت قدام أهلنا. كانت بتبص حواليها ودموعها في عينيها. ولما وقفت جنبها، مسكت إيدها وقلت لها: “أنا بحبك… ومفيش حاجة في الدنيا ممكن تغير ده.” اليوم ده، شفت مريم بتبتسم لأول مرة من أسابيع. ابتسامة حقيقية. وكأنها نسيت للحظات إنها مريضة. وكأنها كانت عروسة طبيعية زي أي عروسة تانية. عشنا مع بعض كزوجين لمدة **تلات أسابيع بس**. تلات أسابيع كنت فيهم أسعد راجل في الدنيا، رغم إني كنت عارف إن كل يوم ممكن يكون الأخير.
ومريم كانت أعظم إنسانة دخلت حياتي. لكن بعد تلات أسابيع… ماتت. قلبي اتحطم. في جنازتها، كنت واقف وسط الناس وأنا حاسس إني مش موجود. كنت باصص للناس حواليّ، بس مش سامع حد. بعد الدفنة، رجعت البيت، وقعدت لوحدي. عدت كام يوم وأنا تقريبًا مش بخرج من البيت. مبكلش كويس. مبنمش. ومكنتش قادر أصدق إن مريم مش هتفتح الباب وتدخل عليا تاني. لحد ما في صباح يوم، سمعت خبط على الباب. قمت وفتحته. كان راجل في أواخر الخمسينات واقف قدامي.
قال: “حضرتك جوز مريم؟” هزيت راسي. فقال: “أنا المحامي بتاعها.” وبعدين مد إيده وناولني **علبة صغيرة**. وقال: “في حاجة إنت متعرفهاش.” بصيتله باستغراب. فكمل: “مريم سابتلك الحاجة دي قبل ما تموت… وخلتني أوعدها إني ما أديهالكش غير بعد وفاتها.” إيدي بدأت ترتعش. بصيت للعلبة، وبعدين بصيتله. وسألته: “إيه اللي جواها؟” قال: “هي قالتلي إنك هتفهم كل حاجة لما تفتحها.” قفلت الباب، وقعدت على الكنبة. فضلت أبص للعلبة كذا دقيقة، وأنا حاسس بخوف غريب. إيه اللي ممكن تكون مريم مخبياه عني؟
فتحت العلبة بإيدين بيرتعشوا. وأول ما شفت اللي جواها… صرخت من الصدمة. وقلت: “لأ… مريم!” بدأت أعيط وأنا ماسك الحاجة اللي جوا العلبة. وبصوت مكسور قلت: **”إزاي قدرتي تخبي عليا حاجة زي دي كل السنين دي؟!”** فضلت ماسك الحاجة اللي طلعتها من العلبة وأنا مش قادر أستوعب اللي شايفه. كانت **صورة قديمة جدًا**. صورة لمريم وهي صغيرة، واقفة جنب ست ورجل أنا عمري ما شفتهم قبل كده. لكن اللي خلاني أتجمد مكاني مش الصورة نفسها…
كان فيه **خطاب** متني ومحطوط تحتها. وعلى ضهر الصورة، كان مكتوب بخط إيد مريم: **”لجوزي الوحيد… لما تعرف الحقيقة، متكرهنيش.”** فتحت الخطاب بسرعة. وكان مكتوب: “حبيبي أحمد، لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا خلاص مش جنبك. وأنا عارفة إنك هتكون غاضب مني. بس قبل ما تحكم عليا، أرجوك اقرأ للآخر. أنا مكنتش صريحة معاك من البداية. مش لأنني مكنتش بحبك… لكن لأني كنت خايفة أخسرك.” وقفت عن القراءة. دموعي نزلت على الورقة. كملت: “فاكر لما كنت بحكيلك إني اتولدت في القاهرة وإن أبويا وأمي ماتوا وأنا صغيرة؟
الحقيقة إن ده مش صحيح. أبويا وأمي عايشين. ويمكن يكونوا أقرب ليك مما تتخيل.” حسيت إن نفسي اتقطع. قريت السطر تاني. وبعدين التالت. **أبوها وأمها عايشين؟** طب مين دول اللي في الصورة؟ وليه طول السنين دي كانت بتقول إنهم ماتوا؟ كملت القراءة. “أنا اتربيت في دار أيتام في الجيزة من وأنا عندي ست سنين. أبويا كان راجل غني جدًا، لكنه دخل في مشاكل كبيرة بسبب شغله. وفي ليلة، حصلت خيانة من أقرب شخص ليه. فلوس كتير اختفت، وشركته انهارت، وهو اختفى بعدها.
أما أمي… فكان لازم تختفي هي كمان عشان تحميني.” حسيت إن عقلي مش قادر يستوعب. مريم اللي كنت فاكر إني عارف كل حاجة عنها… كان فيه عالم كامل مخبيه عني. لكن أكتر حاجة وجعتني كانت الجملة اللي بعدها: “قبل ما أموت، لازم تعرف إن أبويا حاول يرجعلي أكتر من مرة. وأنا رفضت. مش لأني بكرهه… لكن لأن الشخص اللي خان أبويا كان لسه موجود في حياتنا.” وقفت فجأة. وسألت نفسي: **مين الشخص ده؟** قلبت الصفحة.
لقيت اسم مكتوب. اسم خلى إيدي تقع من على الورقة. **حسام الشناوي.** فضلت أبص للاسم وأنا بحاول أفتكر. وفجأة… افتكرت. حسام الشناوي كان اسم رجل أعمال معروف. وكان هو صاحب الشركة اللي اشتغلت فيها مريم قبل ما تمرض. لكن ده مش كل شيء. في أسفل الصفحة كان فيه عنوان: **”لو عايز تعرف الحقيقة كاملة، روح للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.”** وتحته عنوان في **وسط البلد**. الساعة كانت قربت من عشرة بالليل. كان المفروض أقفل العلبة وأنام.
لكن إزاي أنام بعد اللي قريته؟ لبست هدومي، وخدت العربية وروحت العنوان. وصلت بعد حوالي نص ساعة. كان مبنى قديم جدًا. طلعت الدور التالت، ولقيت باب شقة مقفول. قبل ما أخبط… الباب اتفتح. وظهرت قدامي ست كبيرة في السن. أول ما شافتني، حطت إيدها على بوقها. وقالت بصوت مرتعش: “إنت أحمد؟” قلت: “أيوه.” بدأت تعيط. وقالت: “مريم كانت عارفة إنك هتيجي.” دخلتني. وقعدتني على كرسي. وبعدها قالت: “أنا خالتها.” اتصدمت. “خالتها؟” هزت راسها. وقالت: “وأنا آخر شخص كان يعرف الحقيقة كلها.”
وبدأت تحكي. قالت إن أبو مريم، **فؤاد**، كان يمتلك شركة كبيرة جدًا في القاهرة. وكان عنده شريك اسمه حسام الشناوي. في البداية كانوا أصحاب. لكن حسام بدأ يسرق من الشركة ويحط الديون على اسم فؤاد. ولما فؤاد اكتشف الحقيقة، حاول يواجهه. لكن حسام كان أقوى. استغل علاقاته، وخلى فؤاد يظهر قدام الناس كأنه المسؤول عن كل المشاكل المالية. اضطر فؤاد يهرب. وأم مريم، **سعاد**، خافت على بنتها. فأخدتها وراحت بيها لدار أيتام، واتفقوا مع الإدارة إن مريم تعرف إن أهلها ماتوا.
وبعدها اختفت سعاد هي كمان. سألتها: “طب وفين أبوها وأمها دلوقتي؟” سكتت طويلًا. وبعدين قالت: “أمها ماتت من سبع سنين.” قلبي اتقبض. “وأبوها؟” بصتلي في عيني. وقالت: “لسه عايش.” حسيت إن الدنيا بتلف بيا. قلت: “فين؟” مدت إيدها وطلعت ورقة. وقالت: “مريم كانت عارفة مكانه.” بصيت للورقة. كان عليها عنوان في **الإسكندرية**. سألتها: “ليه مريم مقالتليش؟” قالت: “لأنها كانت عارفة إنها هتموت.” سكتت لحظة، وبعدين كملت: “ومريم كانت خايفة إنك لما تعرف حقيقتها، تحس إنك اتجوزت واحدة مش عارف عنها حاجة.”
نزلت دموعي. قلت: “بس أنا كنت هقف جنبها مهما حصل.” قالت: “هي كانت عارفة.” وبعدين ابتسمت وسط دموعها. “وعشان كده اختارتك.” في اليوم التالي، سافرت الإسكندرية. وصلت للعنوان اللي في الورقة. كان بيت صغير في شارع هادي. خبطت. وبعد ثواني، الباب اتفتح. راجل عجوز ظهر قدامي. كان واضح عليه التعب. لكن أول ما شافني… وشه اتغير. قال: “مريم ماتت؟” مقدرتش أرد. هو فهم. نزلت دموعه. وقال: “كنت عارف إن اليوم ده هييجي.” دخلت. وقعدنا ساعات بنتكلم عن مريم.
عرفت منه إنه حاول يشوفها كذا مرة، لكنها رفضت. قال لي: “كانت بتقول لي: لو رجعتلي، الناس اللي أذونا هيعرفوا مكاني.” وبعدين مد إيده ناحية درج قديم. طلع منه ملف. وقال: “ده كل اللي قدرت أحافظ عليه.” فتح الملف. كان فيه مستندات قديمة، وصور، وحسابات بنكية. لكن كان فيه حاجة أخطر. **أدلة تثبت إن حسام الشناوي هو اللي سرق الشركة ولفق التهم لأبو مريم.** بصيتله وقلت: “ليه مريم احتفظت بكل ده؟” قال: “عشان كانت بتدور على الحقيقة.”
سألته: “طب ليه سابت كل ده ليا أنا؟” ابتسم بحزن. وقال: “لأنها كانت واثقة فيك أكتر من أي حد.” رجعت القاهرة ومعايا الملف. وبدأت أتحرك قانونيًا. المحامي بتاع مريم ساعدني. وبعد شهور من التحقيقات، ظهرت الحقيقة. الأدلة كانت قوية. حسام الشناوي حاول ينكر. لكن المستندات كشفت كل حاجة. وبعد سنين من الظلم… اسم فؤاد اتبرأ. والحقوق اللي اتسرقت منه رجعت لعيلته. أما أنا… فمبقتش قادر أبص للفلوس بنفس الطريقة. لأن مريم علمتني إن أغلى حاجة في الدنيا مش اللي بنملكها.
أغلى حاجة هي الشخص اللي يفضل جنبك لما كل الناس تمشي. بعد سنة من وفاتها، رجعت لنفس الجنينة اللي اتجوزنا فيها. قعدت لوحدي تحت الشجرة اللي كانت بتحب تقعد تحتها. طلعت آخر حاجة كانت في العلبة. كانت **خاتم صغير**. ومعه ورقة. فتحتها. وكان مكتوب: “أحمد، لو وصلت للجزء ده، يبقى عرفت الحقيقة كلها. وأنا متأكدة إنك هتسأل نفسك ليه استنيت لحد ما أموت عشان أقولك. الحقيقة إني كنت خايفة. كنت خايفة أتجوزك وتعيش معايا وأنت عارف إن نهايتي قريبة.
وكنت خايفة أكتر إنك تفضل معايا شفقة. لكن اليوم اللي لبستني فيه فستاني، وشيلتني على الكرسي، ومشيت بيا قدام الناس… عرفت إنك كنت بتحبني أنا. مش جسمي. مش صحتي. مش الوقت اللي كان فاضل لي. كنت بتحبني حتى وإنت عارف إنك ممكن تخسرني بعد أسابيع. وعشان كده… أنا ما خسرتش حياتي. أنا كسبت أجمل تلات أسابيع في حياتي. ولو في حاجة واحدة عايزاك تعملها بعد ما أموت… فهي إنك تعيش. متقفلش قلبك. ومتعتبرش إن حبنا كان مأساة.
أنا عشت ومِت وأنا متأكدة إن في إنسان واحد على الأقل حبني بصدق.” وقفت عن القراءة. وأنا بعيط، ضحكت لأول مرة من شهور. وبصيت للسماء وقلت: “وعد.” بعدها حطيت الخاتم في جيبي. وقمت من مكاني. لأول مرة من يوم وفاتها… مشيت من غير ما أحس إني بهرب من ذكرياتها. لأنني فهمت أخيرًا إن مريم ما سابتليش مجرد سر. هي سابتلي **حقيقة غيرت حياتي كلها**. وخلتني أفهم إن الحب الحقيقي مش بعدد السنين اللي بنقضيها مع بعض…
لكن بعدد اللحظات اللي بنختار فيها بعض، حتى وإحنا عارفين إن النهاية قريبة. ومن يومها، كل سنة في نفس اليوم… كنت بروح نفس الجنينة. وأقف في نفس المكان اللي اتجوزنا فيه. وأقول جملة واحدة: **”أنا لسه عايش يا مريم… ولسه بحبك.”**

